كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وروح القدس هو اللّه! والأب، والابن، وروح القدس، وهم اللّه! إنها ألغاز وطلاسم، لا يمكن أن يتصورها العقل إلا إذا اصطنع لها التشبيهات، والتخيلات! ولعل أقرب صورة تمثل هذا المفهوم للّه، هو القمر، ومنازله المختلفة..
فالقمر يكون هلالا.. فبدرا.. فمحاقا..
وهو هو القمر.!
فإذا كان هلالا ففى كيانه البدر والمحاق! وإذا كان بدرا فمن ورائه المحاق والهلال! وإذا كان محاقا.. فبين يديه الهلال والبدر! ومع هذا فإن الناس لا يقولون عن الهلال إنه بدر أو محاق. ولا يقولون عن البدر إنه محاق أو هلال.. إن لكل وجه من هذه الوجوه مفهوما خاصّا عند الناس! ولكن لو كان للّه تعينات، ووجوه كوجوه القمر، فإن معنى هذا أن «اللّه» متحول متغيّر.. يلبس أثوابا مختلفة، ويبدو في وجوه متعددة! والمؤمنون باللّه- ومنهم أتباع المسيح- مؤمنون بأن اللّه لا يتغيّر ولا يتبدّل، ولا يتحول من حال إلى حال أبدا! ثم من جهة أخرى... لا يرى الذي يؤمن بألوهية المسيح- على هذا المفهوم- إلا وجها واحدا من «اللّه» وهو وجه «الابن» أو أقنوم الابن..
ولهذا فإنه يحدّق دائما في هذا الوجه، ويتعامل معه، دون أن يكون للوجهين الآخرين حساب أو تقدير، في مجال الشعور والوجدان، وإن كان لهما في مجال البحث والدرس حساب وتقدير عند من لهم قدرة على البحث والدرس! إن «المسيح» الذي يمثل أقنوم «الابن» في «اللّه» هو وحده الذي يتعامل معه أتباع المسيح.. فهو اللّه المسيح! وهو اللّه الابن! أما «بقية» اللّه، أو الجوانب الأخرى من اللّه، فهى شيء وراء هذا الحساب، وهذا التقدير!! والشعور الذي يقوم في كيان «المؤمن» باللّه على هذا الوجه، شعور يتسلط عليه إحساس منه، بإيثار بعض «اللّه» على بعض، وأن اللّه أبعاضا.. هذا التصور، لا يمكن أن يتخلّص من الإحساس به أي مؤمن باللّه المسيح، ولو حاول ذلك وأجهد نفسه في المحاولة! فالمؤمن باللّه المسيح، إنما يعنيه من اللّه هذا الوجه المطل عليه في شخص المسيح، وهو أقنوم «الابن» الذي تجسد اللّه به في هذا الجسد! ألم نقل إن الحلّ الذي أريد به إيجاد تسوية لألوهية «المسيح» قد أضاف إلى المشكلة مشكلات، وزاد عقدها عقدا؟
وبلى! فإن القول بأن المسيح هو «اللّه».. كلّ اللّه.. بجميع صفاته وأقانيمه، وتعيّناته- هذا القول أقرب إلى العقل من القول بأن «المسيح» هو اللّه متجسدا في أقنوم «الابن» دون الأقنومين الآخرين اللذين يقال إنهما للّه، وهما الأب وروح القدس! إن القول بتجسد «اللّه» في أقنوم الابن، الذي منه كان المسيح، ثم القول بأن المسيح هو اللّه- يجعل المسيح ذا صور ثلاث: إنسانا، وإلها وبعض إله.
وهذه الصور الثلاث تتخايل دائما- مجتمعة ومتفرقة- في عينى من يعتقد في ألوهية المسيح.. فكلما ذكر المرء «المسيح» وقعت في تصوره هذه الصور الثلاث.. تجتمع، وتتفرق، ويختلط بعضها ببعض، فتتشكل منها صور وأشكال..!
العقل.. والمسيح الإنسان:
الوجه الإنسانى في المسيح، هو أبرز هذه الوجوه الثلاثة، التي تتخايل منه، لمن ينظر إليه على اعتبار أنه «اللّه» «مصمتا» مجملا، أو اللّه «مفككا» مفصلا.!
فالمسيح الإنسان قد رآه الناس رأى العين، وقد وصفه الواصفون وصف رؤية وعيان.. فهو حقيقة ماثلة في عين من يؤمنون بألوهيته.. فضلا عن الذين لا يؤمنون به إلها!! وقد استجاب المؤمنون بالمسيح الإله، لهذا المعطيات التي أعطاها الشهود الحسّى لهم منه، فتمثلوه- وهو اللّه- حاضرا معهم في جسده، الذي رأوه رؤية بصرية، أو خبرية.. فصوروه. وصنعوا له التماثيل، وليدا، ومصلوبا، وصاعدا إلى السماء. بعد قيامته من الأموات! إن المسيح الإنسان هو الذي يملأ قلوب المؤمنين بأنه هو اللّه، وإنهم- مهما جهدوا- لن يستطيعوا أن يتمثلوا اللّه في حال من الأحوال، إلا في صورة المسيح الإنسان الذي رأوه في صوره المختلفة التي تمثلوها له، وصوروه، أو مثلوه عليها! ولهذا فقد غلبت صورة المسيح الإنسان على كلّ تصور للّه، ولهذا أيضا كانت صورة «المسيح» الإنسان في عينى، وفى قلب كل مؤمن بأنه «اللّه».
ونسأل:
وماذا لو استقام المسيح على وجه واحد.. فكان إنسانا لم يخالطه شيء من الألوهية، أو كان إلها لم تشبه شائبة من البشرية؟ إن أعدل صورة للإنسان هو أن يكون إنسانا في كل شيء.. في ظاهر أمره وباطنه جميعا.
فأعضاؤه، وحواسّه، إذا خرج منها شيء عن حدود البشرية، ومألوفها..
فسد أمره، واضطرب وجوده بين الناس! وانظر كيف يكون حال إنسان له رجل واحدة بدل اثنتين، أو كان له أربع عيون بدلا من عينين، أو أن عينيه ركبتا فوق رأسه، أو أن حاسة بصره كانت أشبه بالمجهر، أو أن حاسة سمعه كانت كمكبرات الأصوات.. أترى مثل هذا الإنسان يهنؤه طعام، أو يستقيم له أمر؟
وقل مثل هذا في كيانه الداخلى.. في عواطفه ونوازعه، وفى أفكاره وخواطره.. إنه إن خرج في شيء من ذلك عن حدود البشرية، في أعلا ذراها، أو أدنى مستوياتها، تعس وشقى! إن الغراب الذي يلبس جلد الطاووس.. ليس غرابا، وليس طاووسا.. بل ليس من عالم الطير إطلاقا! والمسيح- صلوات اللّه وسلامه عليه- تحدّث سيرته عن إنسان كرم في الإنسانية غرسه، وطاب ثمره، فكان غرّة في جبينها، ودرة في تاجها، ونجما لامعا في سمائها، ومصباحا هاديا في أرضها.. هيهات أن تلد الأمهات من يدانيه، نبلا، وطهرا، واستقامة وعفّة.. إلا من كان من الصفوة المتخيّرة من رسل اللّه وأنبيائه! فالمسيح- الإنسان- أمل من آمال الإنسانية، ومنزع من منازعها، وحلم من أحلامها.. قد ظفرت به حقيقة واقعة، فرأت فيه الإنسان كيف يستعلى على شهواته، وكيف يقهر هواه، وكيف يبلغ به خلقه في العالم الأرضى ما لا تبلغ الملائكة في عالمها العلوي! وإنه لكسب عظيم للإنسانية أن يكون «المسيح» الإنسان واحدا منها، إذ به وبمن شابهه أو داناه، من الأنبياء، والحكماء، والقادة، والمصلحين- تثقل موازين الإنسانية، ويرتفع قدرها، ويستقيم خطوها، وتثبت أقدامها على طريق الحق، والخير، والسلام! وانظر كيف يكون حال الإنسانية من الجدب والعقم، في خلقها، وفى تفكيرها، لو أن هؤلاء العباقرة، وأولئك الرءوس الشوامخ الذين تلدهم الحياة بين الحين والحين- أضيفوا إلى عالم غير عالم البشر، فكانوا من الجن، أو الملائكة، أو الآلهة.. أو أي خلق آخر مما يكبر في صدور الناس؟
إن هذه الفتوح العظيمة التي حققتها الإنسانية على هذه الأرض، في ميادين العلم والفنّ، وما أخرج العلم والفن من ثمرات عمرت بها الحياة، وقامت بها تلك الحضارة التي تملأ وجوه الأرض، حياة وعمرانا- هذه الفتوح العظيمة هي من صنع الإنسان، ومن وحي العباقرة والملهمين من الناس! فلو أن الإنسانية لم تلد هؤلاء العباقرة والملهمين من أبنائها، لظلت تحبو في طفولتها، وتعيش في هذا المستوي الطفولىّ، الذي لا يرتفع بها كثيرا عن مرتبة الحيوان! وحول الإنسانية، وفى محيطها قوى غيبية لا حدّ لقدرتها، ولا نفاد لحولها وقوتها.. كالجن والملائكة مثلا.. ومع هذا فإن الإنسان لم يفد منها شيئا، في صراعه مع الحياة، ولا في غزواته لكشف أسرارها!.
ولقد تتعلق عيون الناس وآمالهم قرونا وأجيالا طويلة بهذه القوى الغيبية تريد عونها ومساندتها، في الإمساك بسفينتها المضطربة بين متلاطم الأمواج..
ولكن الذي كان يطلع على الإنسانية دائما، هو واحد من أبنائها، يستجيب لندائها، ويحقق ما اتجهت إليه أنظارها، وتفتحت له آمالها..
ولو ارتفع المسيح إلى مرتبة الألوهية، وخرج من حساب الإنسانية، لخفّ ميزان النّاس، ولحرموا هذا الخير الكثير الذي يجدونه في تلك الكلمات المشرقة المسعدة، التي تطلع عليهم من فم إنسان، ومن قلب إنسان، ومن تفكير إنسان... ثم لمّا نزعت بهم نازعة إلى تمثّل سيرته، واقتفاء أثره، إلا إذا حسبوه في سجلّ الإنسانية، وعدوّه إنسانا من الناس.. أما إذا أضيف إلى الآلهة، وحسب في عدادها، فلا يقع في نفس إنسان أن يتشبه به، أو يحذو حذوه.. فذاك إله، وهذا إنسان.. وأين الإنسان من الإله؟
لذلك طريق ولهذا طريق!.
والأمر أكثر من هذا خسارة على الإنسانية وتفويتا لما يرجى لها من خير.. لو أن «المسيح» كان هو «اللّه» الذي يؤمن به المؤمنون، ويتعبّد له المتعبّدون! وانظر كيف يكون هذا الحساب! إنّ «اللّه» الذي يؤمن به المؤمنون.. أزلىّ أبدى.!
فهو هو لم يتغيّر ولم يتبدّل، ولن يتغيّر أو يتبدل، ولم يزد ولم ينقص، ولن يزيد ولن ينقص! و«المسيح» الذي ظهر في فترة ما، لأعين الناس الذين رأوه، ليس إلا «اللّه» الأزلى الأبدى.. على ما يؤمن المؤمنون بألوهيته..
وظهور اللّه في هذا «الجسد» لم يغيّر من ذات اللّه شيئا!
فاللّه هو اللّه- في جسد المسيح، وفى غير جسد المسيح.. أو في أي جسد آخر..
بشرى، أو غير بشرى!.
وإذن فليس هنا «اللّه» و«المسيح»..
وإذن- أيضا- فلا ذات إلا ذات واحدة، تمثلّ الألوهية، هى:
اللّه أو المسيح!.
فاللّه- كما قلنا- ذات واحدة، لم ولن تتبدل أو تتغيّر، ولم ولن تزيد أو تنقص، وهذا هو ما يقول به أتباع المسيح.. كما يقول به المؤمنون باللّه.
فالقول بألوهية المسيح، وبأنه اللّه، قول لا يدخل منه على الألوهية شيء، فلا يضيف إلى ذات اللّه بهاء، ولا جلالا، بل إن العكس هو الصحيح، إذ نزل بقدر اللّه، وعفّر ذاته بتراب الأرض، وعرض وجهه للبصق والصّفع، وأقام جسده على الصليب مشدودا، تدقّ يداه وقدماه بالمسامير، ويستسقى فيسقى المرّ المذاب، ويصرخ صرخات ضارعة مستيئسة، ولا راحم، ولا مجيب! وتعالى اللّه عند ذلك علوّا كبيرا.
إن «اللّه» المسيح، قد كشف في هذه الأحوال عن إله لا حول له ولا قوة، يصارع الخطيئة التي غرسها بيده في كيان الإنسان.. (و نعم غرسها بيده، إذ كان الشيطان هو الذي ساقه إليها، أو ساقها إليه، والشيطان من صنعة يد اللّه، بلا شك) ثم يحتال اللّه لذلك، فلا تسعفه الحيل إلا بأن يتخلّق في رحم امرأة، ويولد منها، ويرضع من ثديها، حتى يشبّ ويكون رجلا، فيتخذ له تلاميذ وأتباعا، يدعوهم إلى ما يدعوهم إليه.. ثم ينتهى أمره إلى الموت صلبا، ليكون بهذا الموت ذبيحة، لغفران الخطيئة التي أخطأها آدم في عصيانه أمر اللّه!.
أرأيت أعجب من هذا العجب! إنسان يخطئ في حق اللّه، ويخرج عن طاعته..
فلا يعاقبه اللّه، ولا يأخذه بجريرته! ولو وقف الأمر عند هذا الحد، لكان مفهوما مقبولا.. إنسان أخطأ، ورب غفور رحيم! ولكن الذي لا يفهم، ولا يقبل، هو أن يجىء اللّه، لكى يغفر جريمة هذا الإنسان، فيربّى نفسه في حجر الإنسانية، ثم إذا أصبح «حملا» صالحا للذبح، ذبح نفسه، ليكون كفارة لهذا الذنب الذي ارتكبه في حقه عبد من عبيده! وندع هذا الحساب المغلوط، شكلا وموضوعا.. لمن يقيم خلله، إن كان في الناس من يحسن البناء على خواء، ويقيم صرحا في الهواء.
ونسأل: أين «المسيح» الإنسان؟
أين ذلك الوجه المشرق الوضيء الذي طالع فيه الناس سمات الإنسانية، في نبلها، وطهرها، وعفتها، ورحمتها، وحكمتها؟ أين ذلك الإنسان الذي عاش في الناس فآنس وحشتهم، وفتح لهم طرقا مستقيمة إلى معالم الخير، والنور، والسلام؟
إنه لا وجود له في عالم الناس..!
إنه لم يكن إلا «اللّه».. ولم تكن تلك الفترة التي رآه الناس فيها في صورة إنسان- إلا حلما من تلك الأحلام المسعدة، التي يصحون بعدها على الواقع الذي يعيشون فيه! هكذا هو في زى الإله الذي ألبسوه إياه.
إن المسيح «اللّه».. لا حساب له في عالم الناس.!
وإنها لخسارة فادحة محققة للإنسانية، إذ تفتقد المسيح إنسانا، حين تراه إلها..
ثم تتطلع إليه مقام الألوهية، فلا ترى له وجودا.. لأنه عاش على الأرض وصلب، ودفن في الأرض.. وأن من كان هذا شأنه، فلن يعود إلى مقام الألوهية أبدا، على فرض أنه كان الإله، وكان اللّه رب العالمين..
إن مخايل الإنسانية وصفاتها، ومشخصاتها لن تفارقه بحال، ولن تزايل أنظار الناظرين إليه، والمؤمنين به على تلك الصفة..
أما اللّه سبحانه وتعالى، فهو اللّه الذي تنزّه عن التجسد والتشكل.
اللّه وحده.. لا شريك له! اللّه في عظمته وجلاله.. قبل المسيح.. وبعد المسيح! اللّه الذي آمن به آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع أنبياء اللّه، ورسله، ومن استجاب لهم، وسلك سبيلهم!. اهـ.